الرئيسية / مقالات / احتكار المساجد من قبل المسؤولين الأتراك

احتكار المساجد من قبل المسؤولين الأتراك

باتت المساجد التي يجري إنشاؤها خلال الآونة الأخيرة في ولاية ديار بكر، مصدر دخل وتحقيق مكاسب كبيرة لبعض الأشخاص، حيث يجني من يتصدون لعملية تشييدها أموالًا طائلة يحصلون عليها من التبرعات التي يقومون بجمعها. ومن الجدير بالذكر أن الولاية المذكورة بها 1011 مسجدًا، يجري حاليًا تشييد 8 مساجد أخرى. ووصلت تكلفة المساجد التي لا تزال قيد الإنشاء بمنطقة “قايا بنار”، لمبالغ خيالية تتراوح بين 25 و30 تريليون ليرة تركية.

هذه المساجد يتم تشييدها بواسطة الأموال التي يتم جمعها من خلال العديد من الجمعيات المختلفة. ولأن هذه الأموال لا تخضع للرقابة، فإن ثمة جماعات بدأت تظهر على الساحة لتجني أرباحًا ومكاسب من وراء هذه الأموال. وأحد من يقومون بفعل ذلك، هو علي يغمور، الرئيس السابق لـ”وقف أنصار”. ولا شك أن حكاية علي يغمور منذ أن كان يمتهن التدريس، وحتى عمله بمقاولات المساجد، جد مثيرة للغاية.

وعلي يغمور يعتبر شقيق أحمد يغمور الرئيس الأسبق لبلدية “باغلار” بولاية ديار بكر، وحينها كان رئيسًا للبلدية عن حزب “الرفاه”. وفي الوقت الذي كان يعمل فيه علي يغمور مدرسًا للغة الإنكليزية عام 1994، عينه شقيقه بالبلدية، في وظيفة مساعد الرئيس.

ولقد تعاقب العديد من الرؤساء على البلدية المذكورة، لكن لا زال علي يغمور في منصبه مساعدًا لرئيس بلدية “باغلار”، كما أنه في ذات الوقت عضو بالمجلس الاستشاري لـ”جمعية شباب تركيا”.

وفي أوقات سابقة عمل علي يغمور رئيسًا لفرع “وقف الأنصار” في ولاية ديار بكر. وإلى جانب كل هذه الوظائف والمناصب، فإنه منذ فترة طويلة يترأس جمعية “بناء المساجد وإحيائها” بذات الولاية.

تجدر الإشارة أن بلدية “قايا بينار” كانت قد صادقت على تشييد مسجد على مساحة بحي “بولفاري مازوبوطاميا”. جاءت هذه الموافقة رغم أن هذه المساحة مخصصة في خطط الإعمار الخاصة بالبلدية على أنها متنزه. ومن ثم رفض أهالي المنطقة قرار البلدية. وعلى إثر ذلك أعلنت البلدية الكبرى بالولاية منع مشروع تشييد المسجد الذي يتم التخطيط لإنشائه بالمكان المعني. كما امتثلت بلدية “قايا بينار” لقرار البلدية الكبرى.

لكن على الجانب الآخر، لم يمتثل علي يغمور مدير جمعية “بناء المساجد وإحيائها” بولاية ديار بكر للقرار، وقام في أحد الأيام بوضع مستلزمات البناء  في المنطقة التي شملها القرار. ولما فشلت البلدية في رفع هذه المستلزمات، وسد حفرة موجودة بالمكان، قام المواطن، آيدين بالّاك، أحد سكان المنطقة، بحرق الأخشاء التي وضعها يغمور بشكل غير قانوني. ولقد أدى هذا التصرف إلى رفع دعاوى من الطرفين أمام المحاكم المختصة بمثل هذه النزاعات.

ومع هذا أقدم علي يغمور وأحضر أخشابًا أخرى بنفس المكان. ولم يكتفِ بهذا الأمر فحسب، بل قام كذلك بتعليق إعلان على مدخل دار لتحفيظ القرآن تابعة لإدارة الإفتاء بـ”قايا بينار”، وكتب رقم هاتفه عليها وبجواره جملة “ننتظر مساعداتكم”.

في البداية تحدثنا مع آيدين بالاك الذي يعتبر أحد أبطال قصة المستفيدين من الريع الكبير الذي يبلغ مليون ليرة التي تحققه المساجد لهم.

هذا الرجل يبلغ من العمر 55 عاماً، ويعمل منذ سنوات سائقًا على سيارة أجرة. والمتنزه الذي يرغبون في تشييد مسجد عليه، يقع بجانب منزله. بالاك تحدث معنا بشأن هذه الأحداث التي بدأت وتطورت بعد أن أبدى اعتراضه وحرق الأخشاب التي وضعها علي يغمور بالمكان. فقال لنا إن الحفرة الموجودة بالمكان حفرت قبل عامين، ولم يتم إغلاقها رغم قرار البلدية الرافض لبناء المسجد. وتابع في ذات السياق قائلًا:

“الشخص المسمى علي يغمور، قبل عامين أحضر الأخشاب ووضعها في المتنزه، وبدأ عمليات الإنشاء حيث قام بحفر حفرة في المكان لهذا الغرض. لكن بعد اعتراض سكان المنطقة، وبناء على طلب قدموه للجهات المعنية، قررت البلدية رفض إقامة مسجد في المنطقة المذكورة. وكنا ننتظر بناء على هذا القرار غلق الحفرة التي تم حفرها. لأن متعاطي المخدرات يجتمعون حولها ليل نهار ويتعاطون العديد من المواد المخدرة على أعين الأشهاد. وكان سكان المنطقة وأنا معهم قد قدمنا طلبًا لبلدية قايا بينار؛ من أجل غلق الحفرة، وكتبنا فيها أننا متضررون للغاية من بقاء الحفرة كما هي. لكن البلدية لم تستطع بأي حال من الأحوال، غلق الحفرة رغم القرار السابق الذي اتخذته بخصوص حظر بناء مسجد بالمكان”.

آيدين بالاك ذكر كذلك في ذات السياق أنه تناقش أكثر من مرة مع علي يغمور من أجل رفع الأخشاب من المكان، لكن الأخير رغم هذا رفض الطلب. وتابع المتحدث قائلا:

“علي يغمور هددني أكثر من مرة لأنني طلبت منه رفع الأخشاب من المكان. فهناك قرار يمنع بناء مسجد بالمكان، ورغم هذا فإن هذا الشخص يتصرف بكل أريحية وذلك لأن بلدية “قايا بينار” تقوم بحمايته. إذ يقاوم، ويرفض أية قرارات رسمية ويصر على بناء المسجد في المكان. فمن الواضح أن هناك العديد من الخبايا والأمور المختلفة في هذا الأمر. وأذكر أنني حينما تحدثت معه حينما طلبت منه رفع الأخشاب من المكان، قال لي: ألست مسلمًا؟ أي انه اتهمني بأني غير مسلم مع إن هذا الأمر لا علاقة له بالإسلام. وذكرني بواقعة مقتل شخص يدعى غفّار أوقّان في حادث قبل سنوات، وقال في هذا الصدد:

في وقت من الأوقات حاول أن يعترض غفار أوقان طريقنا فلقى حتفه بثلاث رصاصات ومصيره قد يلحق بك. وقام بسبي أمام الجميع في أكثر من مناسبة. هؤلاء يحققون مكاسب طائلة من وراء المساجد. ولولا أن بعض الأفراد في البلدية يقومون بحماية مثل هؤلاء الأشخاص، ما كان بإمكانهم أن يتصرفوا بهذا الشكل. فما الحكمة في رغبة ذلك الشخص المذكور في إنشاء مسجد بتلك المساحة المنصوص على كونها متنزه في خطة الإعمار الخاصة بالمنطقة؟”.

تجدر الإشارة أن بلدة “قايا بينار” تعتبر واحدة من أسرع المناطق السكنية تطورًا بولاية ديار بكر. فلقد زادت الكثافة السكانية لهذه البلدة بشكل كبير خلال السنوات العشر الأخيرة. ولقد عينت السلطات التركية وصيًا عليها في الآونة الأخيرة. وبعدها تم تغيير المخطط الأساسي لإعمار بلدية هذه البلدة بناء على طلب من القائمين على جمعية “بناء المساجد وإحيائها” التي يعمل بها علي يغمور. تلك الجمعية التي زعمت أن هناك نقص في أعداد المساجد بالمنطقة. وبعد التعديلات التي أجريت تم تخصيص مساحات مختلفة لتشييد 8 مساجد دفعة واحدة.

عملية تشييد هذه المساجد الثمانية تتم من خلال جمعيات التضامن والتنمية المعنية بأمور المساجد. وتتراوح التكلفة الإجمالية لإنشاء هذه المساجد الثمانية بين 20 إلى 30 مليار ليرة على أقل تقدير. أما مسؤولية الأموال التي يتم جمعها من أجل المساجد، تقع على عاتق رؤساء الجمعيات التي يتم إنشاؤها من أجل الإشراف على عمليات التشييد. وبعض رؤساء هذه الجمعيات يخصصون لأنفسهم رواتب من هذه الأموال، والبعض الآخر يجنون من خلال بناء مسجد واحد مكاسب تتراوح بين 200 إلى 300 مليون ليرة على أقل تقدير.

وفي حديث لموقع “أحوال تركية”، أكد إمام مسجد بديار بكر، رفض الإفصاح عن هويته لأسباب شخصية، صحة مسألة المكاسب التي يحققها البعض من وراء إنشاء المساجد. وقال لنا في هذا الصدد:

“90 في المئة من المساجد التي يتم تشييدها في ديار بكر تتكفل ببنائها العديد من الجمعيات التي يتم إنشاؤها لهذا الغرض. وبعض هذه الجمعيات تتحرك في عملها كإدارة كاملة، لكن البعض الآخر منها يعطي كافة الصلاحيات لرئيس الجمعية. وكما تعلمون عندما تجتمع كافة الصلاحيات والسلطات في يد شخص واحد، لا يمكن لأحد غيره أن يعرف حساب الملايين التي يتم جمعها لصالح المساجد. وذلك لأنه لا يوجد أي نوع من الرقابة لهذه الأموال.

وبحسب ما تذكره هذه الجمعيات فإن التكلفة البسيطة لمساجد الواحد تتراوح بين 15 إلى 30 تريليون ليرة. فإذا استولى رئيس الجمعية على 10 في المئة فقط من هذا المبلغ، فستكون لديه أموال طائلة. وهذا هو السبب في تحرك الكثيرين خلال السنوات الأخيرة لإنشاء المساجد لأنهم يرون في الأمر مصدر دخل كبير بالنسبة لهم؛ لا سيما في ظل غياب الرقابة والشفافية”.

مسؤولو البلدية الذين التقيناهم للحديث معهم عن المسجد الذي تقرر من قبل حظر بنائه في المنطقة المخصصة لتكون متنزهًا في خطة الإعمار. وقالوا لنا في هذا الصدد “سبق وأن تم إجراء تعديل على هذه المساحة. لكن هناك قرار من البلدية بحظر بناء المسجد هنا، وبناء عليه لن يتم تشييد المسجد”.

 

 

 

عن admin

"أقرأ وسترى الحقيقة"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *