الرئيسية / تحليلات سياسية / داعش ما بعد الباغوز ؟

داعش ما بعد الباغوز ؟

آريام صالح

بعد سنوات عجاف عاشتها المدن السورية تحت وطأة إرهاب داعش، نجحت قوات قسد فى ملاحقة التنظيم الإرهابى، حتى تم أخيرا تحرير الباغوز، وهو آخر جيب كان تحت رحمة داعش، وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية القضاء على ما يسمى بالخلافة، وخسارة التنظيم الإرهابى لأراضى سيطرته بنسبة مائة فى المئة عسكريا.

وتتوالى السيناريوهات المحتملة لمصير داعش، ولا تزال الكثير من الفرضيات والتساؤلات تطرح نفسها على الساحة، فمع الإصرار الأمريكي على مغادرة منطقة شرق الفرات وسحب قواتها العسكرية منها، لا يزال الغموض يلف مصير عناصر وقادة من التنظيم البالغ عددهم أكثر من 8 آلاف عنصر وقيادي، ممن  لدى قوات سوريا الديمقراطية في سجونها ومعتقلاتها من جنسيات سورية وعربية وإقليمية ومغاربية وآسيوية وغربية- وذلك مع رفض دولهم استعادتهم أو استقبالهم- مما يضع القضية في خانة مغلقة وما يؤكد ويزيد من حالة الانكسار المعنوي والنفسي، هو اقرار واعتراف التنظيم بهزيمته، الذي جاء على لسان القيادي في التنظيم المدعو أبو عبد العظيم، حينما قال “إذا كان لدينا آلاف الكيلومترات ولم يتبق لنا سوى بضعة كيلومترات، وقيل أننا خسرنا -لكن ذلك ليس إلا مقياساً دنيويا، وان النصر والثبات هو الاستمرار في فعل ما يحبه الله”!.

طبيعة وشكل الحرب ضد تنظيم داعش في مرحلة مابعد الباغوز ؟

مع إعلان قوات سوريا الديمقراطية سيطرتها على بلدة الباغوز، آخر جيب لتنظيم داعش الإرهابى بشرق سوريا لتنتهى بذلك دولة «الخلافة المزعومة» التى أعلنها التنظيم بعد أعوام من القتال، قام خلالها التنظيم بتنفيذ عمليات قتل وتخريب أرتقى بعضها لجرائم ضد الإنسانية وعلى الرغم من أن هذا الإعلان حمل بشرى سارة للإنسانية كلها، نظرًا لدموية ووحشية التنظيم الإرهابي، إلا أنه طرح العديد من التساؤلات فى أذهان المتابعين، لعل أبرزها، هل انتهى التنظيم بصورة فعلية؟ وهل تم القضاء على كافة المنتسبين له؟

وبالنظر إلى التساؤل الأول، نجد أن دروس التاريخ تشير إلى أن التنظيمات الإرهابية لا تنتهى بسهولة، ولكنها تستطيع العودة مرارًا وتكرارًا إلى الظهور على الساحة العالمية مرة أخرى، وذلك لأنها تنظيمات أيديولوجية تعتمد على الفكر بالمقام الأول وليس السلاح، لذا فإن عملية المواجهة العسكرية فقط، لن تنجح فى القضاء على هذا التنظيم.

لذا وإجابة على السؤال الأول، فإن التنظيم لم ينته بعد ، وإن كان قد انتهى عسكريًا، فإن العالم والضمير الإنسانى قد يواجه شبح تنظيم داعش الإرهابى مرة أخرى.

وعلى صعيد التساؤل الثاني، فإن مصير المنتسبين لصفوف التنظيم الإرهابى ما زال غامضًا، حيث تباينت آراء الدول حول إعادة استقبال مواطنيهم الذين انضموا فى أوقات سابقة إلى التنظيم الإرهابي، فقد أعلنت ألمانيا ترحيبها بعودة مواطنيها إلى البلاد باعتباره «حقا أصيلا لهم» .

وتكمن خطورة المنتسبين لتنظيم داعش الإرهابى فى أنهم يكونون نواة لتنظيم إرهابى جديد يظهر فى دولة أخرى داخل المنطقة، أو بدولة نامية، كما حدث فى ليبيا وغيرها، كما يمكن أن يمارس هؤلاء العمل الإرهابى بصورة منفردة، أو ما يعرف بـ«الذئاب المنفردة»، نظرًا لأنهم يمتلكون المعرفة اللازمة للتعامل مع الأسلحة والذخائر، وكذلك سهولة القيام بتلك العمليات والتى لا تحتاج لتخطيط كبير.

لذا يمكن القول بأن التنظيم الإرهابى لم ينته بعد، وما زالت هناك العديد من الملفات العالقة حول التنظيم، لعل أبرزها الجوانب الفكرية، والآليات الواجب اتباعها فى التعامل مع أعضاء التنظيم الهاربين من سوريا والعراق.

مخاوف الغرب من داعش ؟

التخوف الغربى من استراتيجية «الذئاب المنفردة» يأتى من خطورة تلك التشكيلات الإرهابية؛ حيث يتولى شخص واحد تنفيذ العملية، ما يجعل مسألة رصده وتوقيفه أمرًا مستحيلًا على الأجهزة الأمنية فى الدول التى يضربها الإرهاب، خاصة مع تطوير داعش لاستراتيجية الذئب المنفرد؛ لتنفيذ عملياته خارج أماكن سيطرته وتصدير هجماتها حول العالم.

ورغم أن «داعش» لم تكن الجماعة الأولى أو الوحيدة التى تستخدم تلك الاستراتيجية؛ إذ استخدمتها حركة طالبان الإرهابية فى أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتى فى تسعينيات القرن الماضي، إلا أن هناك تخوفات كبيرة -أوروبية وأمريكية- من عودة داعش فى ثوب الذئاب المنفردة ويبدو ان المعارك الاخيرة، تمثل نقطة تحول حاسمة في منحى الصراع مع تنظيم داعش الارهابي، ففي حال نجح الاخير بالتماسك والمقاومة، فأنه ربما سيتمكن من اعادة تنظيم صفوفه في بعض الجيوب في الاراضي السورية والعراقية، مستفيدا من دعم واسناد قد توفره له الولايات المتحدة الاميركية، بيد ان هزيمته الكاسحة، ستعني انها بداية النهاية له، او بتعبير اخر النهاية الحقيقية، على اعتبار ان وجود داعش في الجيب الاخير المتمثل ببلدة الباغوز، جعله يرزح بين فكي كماشة يصعب الى حد كبير التخلص والانعتاق منها، فلا هو يستطيع الهروب غربا ولا التوجه شرقا، ولا البقاء في مواضعه الحالية، في ظل انكسار معنوي ونفسي واضح وملموس جدا، عبرت عنه عمليات الهروب الواسعة، الى جانب مقتل اعداد كبيرة من عناصره، ووقوع اعداد اخرى في قبضة قوات سوريا الديمقراطية.

دور تركيا الخبيث ؟

ان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد عرض على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تتولى تركيا مسؤولية نقل 800 مسلح من تنظيم داعش من الأوروبيين لدى قوات سوريا الديمقراطية، إلى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون التي تسيطر عليها في شمال سوريا، ومعروف أن لتركيا علاقات مع قيادات داعش منذ صفقة القنصلية في الموصل 2015 وتشير المعطيات على الأرض أن هناك من هم أكثر دموية من داعش وأن المعركة المقبلة تتمثل في أعتى وأخطر بؤر الإرهاب والمتمثلة بإدلب، التي تضمنها تركيا، وفق اتفاقية أستانة بين إيران وتركيا وروسيا وتشكيلة الضامنين لوقف النزاع في سوريا لذا سيكون الانتهاء من أي تنظيم تكفيري يتوقف على تجفيف منابع الدعم الآتي من الحدود الشمالية السورية التي تخطط تركيا للمرحلة التالية منها باقتراح المنطقة الامنة المشروطة بأن تكون تحت سيطرتها بمبررعودة النازحين تارة وتارة أخرى حماية أمنها القومي، تركيا تدرك جيداً أن استثمارها الإرهاب ساعدها في إيجاد موطئ قدم لها بأي حل مستقبلي في سوريا، تركيا تدرك جيداً أن المقاتل الأجنبي أكثر خطورة من المتمرد المحلي المتمثل بالمعارضة السورية وجناحها العسكري الجيش الوطني، لذا صدرت ما بوسعها من الإرهابيين إلى الداخل السوري وهذا الدور لم يقتصر بالتأكيد على داعش التي ضربت بهم قسد وأرقت تطلعاتهم في سوريا بأن يكون لهم دور في مستقبل البلاد .

ان ما ينبغي التأكيد عليه، هو ان تطهير كل جيوب وملاذات الارهابيين، ووضع اليد على قواعدهم، وقطع خطوط امداداتهم اللوجيستية، يتطلب المزيد من الوقت والتنسيق ذي الطابع الاستخباراتي, مع اعلان قوات سوريا الديمقراطية في 10 من نيسان حملات امنية في مناطق شمال شرق سوريا.

عن admin

"أقرأ وسترى الحقيقة"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *