الرئيسية / تحليلات سياسية / بين الحقيقة والخيال العقوبات الامريكية على تركيا

بين الحقيقة والخيال العقوبات الامريكية على تركيا

بقلم: شاهين العلي

بعد صداقة وشراكة طويلة امتدت لعقود بين الولايات المتحدة الامريكية وتركيا ، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية وتجارية مختلفة هي الأولى من نوعها منذ أزمة قبرص عام 1974،  بدأت بإلغاء الإعفاء الجمركي الذي تتمتع به تركيا مستهدفاً قطاع البناء العنصر الفاعل في لاقتصاد التركي ، وفرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين ثم قرار منع بيع مقاتلات من طراز (F – 35) لتركيا، ومن اهم اسباب فرض العقوبات قضية القس برونسون الذي تأخرت تركيا بإطلاق سراحه , وانقلاب تموز في  تركيا عام 2016 ,  وعدم التزام أنقرة بالعقوبات الأمريكية تجاه طهران بحكم العلاقة الإستراتيجية في مجال التعاون الاقتصادي والتجاري إلى جانب التفاهم الأمني الموقع بين تركيا وإيران ، كما وقالت مصادر مطلعة بتاريخ 20-06-2019  إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس ثلاث حزم من العقوبات على تركيا بسبب إصرار الأخيرة على شراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي “إس 400” حيث ستكون هذه العقوبات هي اشد العقوبات المفروضة والتي ستؤدي إلى شلل شبه كامل للاقتصاد التركي المتعثر بالفعل , وستشمل تلك العقوبات الشركات التركية الكبيرة العاملة في مجال الصناعات العسكرية وفقا للقانون الأمريكي المعروف باسم “قانون محاسبة خصوم أمريكا من خلال العقوبات” الذي يتيح فرض عقوبات على المؤسسات التي تتعامل مع تجاريا مع روسيا, وهذه العقوبات ستؤدي إلى حرمان الشركات التركية من التعامل مع النظام المالي الأمريكي وهو ما يعني أنه سيكون من شبه المستحيل بالنسبة لها شراء المكونات الأمريكية لمنتجاتها أو بيع هذه المنتجات إلى الولايات المتحدة.

لكن هل تنجح الولايات المتحدة من خلال العقوبات الاقتصادية والتجارية إلى استجابة أنقرة لضغوط واشنطن؟   ان تركيا تمتلك العديد من وسائل الصمود في وجه العقوبات الامريكية المفروضة ولذلك ستكون هناك العديد من الاسباب التي ستجعل هذه العقوبات ذات تأثير ضعيف، منها:

  • التعامل بالمثل، فمثلما فرضت واشنطن عقوبات على شخصيات حكومية تركية سارعت أنقرة بالمثل على شخصيات حكومية أمريكية، كما زادت أنقرة نسبة الجمرك على البضائع الأمريكية.
  • الضغط على أوربا في قضية اللاجئين، وقعت تركيا والاتحاد الاوربي اتفاقية بشأن اللاجئين وذلك للحد من الهجرة الغير شرعية واعادة اللاجئين الغير مقبولين الى تركيا الى جانب اتخاذ تركيا تدابير لمنع الهجرة الغير شرعية من اراضيها باتجاه أوربا مقابل منح تسعة مليار يورو لتركيا سنويا” ومن المتوقع ان تستخدم تركيا هذه الاتفاقية للضغط على أوربا من أجل تخفيف العقوبات الامريكية عليها.
  • الضغط على أوربا في قضية الجهاديين المسجونين في تركيا، والتي اشارت الاحصائيات الاخيرة ان سجن غازي عنتاب المعروف بسجن H المزود بكل وسائل الرفاهية والراحة تحتجز فيه تركيا ما يقارب 1500 سجين من عناصر داعش ذوي الاصول الاوربية، وهو ما تستغل تركيا وجودهم في سجونها لابتزاز أوربا في قضايا مختلفة منها العقوبات الامريكية.
  • ان فرض واشنطن العقوبات على تركيا الدولة العضو في الناتو لا شك انه سيضعف من حركة المقاتلات الامريكية في الشرق الاوسط بحكم الاعتماد الامريكي بشكل كبير على القواعد التركية مثل قاعدة انجرليك من أجل انطلاق طائراتها الحربية لتنفيذ المهمات في المنطقة، وفرض العقوبات على تركيا سيدفع بكثرة إشارات الاستفهام حول حركة المقاتلات الامريكية التي تقلع من أنجرليك.
  • العلاقات المتينة التي تربط تركيا وقطر  على كل الاصعدة, فالتقارب السياسي  بينهما  في القضية السورية  وموقف قطر من انقلاب 2016  و الفكر الاخواني الذي يجمع قطر و العدالة والتنمية  قد القى بظلاله على العلاقات الاقتصادية والعسكرية ايضا” حيث  بلغت قيمة الاستثمارات المتبادلة بين قطر وتركيا اكثر من 20 مليار دولار اضافة” الى  اكثر من 200 شركة استثمار  مشتركة بينهما ,وقد استفادت من العلاقات مع قطر عبر تجاوز الازمة الاقتصادية نتيجة العقوبات الامريكية وبالمقابل فان الاتفاقيات العسكرية الموقعة بينهما  استفادت منها قطر في ازمتها مع دول الخليج  حيث نشرت تركيا  قواتها العسكرية على الاراضي القطرية.
  • العلاقات التركية الايرانية الجيدة التي تعمقت بعد فوز العدالة والتنمية بالانتخابات التركية عام 2002 حيث اعتبرت ايران ان فوز العدالة والتنمية هي بداية خروج تركيا من المعسكر الغربي، كما وان هناك تقاربات اخرى مثل الموقف المشترك من القضية الكردية في كلا البلدين والعلاقة مع اسرائيل، والتنسيق في العراق والموقف التركي الرافض للعقوبات الامريكية على ايران، اضافة” الى  ان تركيا هي المستورد الاكبر للنفط الايراني.
  • التقارب من الصين حيث لتركيا مصلحة ملحة في احتواء الصعود الصيني العالمي ولاحتواء تداعيات مبادرة طريق الحرير الجديد الصيني، وذلك لما لتركيا اهمية بموقعها الجغرافي والامتدادات العرقية ونفوذها في اسيا الوسطى وخاصة في اقليم تشينغ يانغ الصيني والذي يسميه الانفصاليون” تركستان الشرقية ” حيث يعيش “الايغور” اصحاب الجذور التركية الذين تستخدمهم تركيا لابتزاز الصين.
  • الدعم المقدم من روسيا ودول البريكس  الى تركيا من اجل تخفيف ضغط العقوبات الاقتصادية , و قد طلبت تركيا بدعم روسي للانضمام الى مجموعة دول البريكس, بعد تدهور العلاقات الامريكية التركية ونتيجة رغبة روسيا في ابعاد تركيا عن أوربا وامريكا واخراجها من حلف الناتو ( دول البريكس : البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا واتفقت هذه الدول على إنشاء هيكل اقتصادي يكون ضد الكيانات الغربية المهيمنة والمتحكمة في العالم، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وهي تتبنى نظاما جديداً يقضي على فكرة القطب الواحد، التي تتبناها امريكا  للسيطرة على اقتصاد العالم) .

وفي ظل هذه العوامل المساعدة يتبين ان لتركيا فرصة للصمود بوجه العقوبات الامريكية التي فرضت لأهداف وغايات سياسية او عسكرية، ولا شك ان واشنطن تدرك عدم جدوى العقوبات الاقتصادية لوحدها دون تغيير سياسي  داخلي في البيت التركي .

DAR NEWS

2019-07-18

عن admin

"أقرأ وسترى الحقيقة"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *