الرئيسية / تحليلات سياسية / هل نجح مشروع الادارات المحليّة الذي شكلته تركيا في سوريا

هل نجح مشروع الادارات المحليّة الذي شكلته تركيا في سوريا

تندرج فكرة الإدارة المدنية للمناطق المحرّرة ضمن مقاربة “التمكين” وتعني –ضمن مقوماتها- القيام بإدارة مرحلة الاستقرار والتمدّد في الأماكن التي تسيطر عليها الجماعات الجهادية، وترتكز مبادئها على إقامة محاكم “إسلاميّة” وهيئات “تنفيذيّة” تحت مسمّيات مختلفة لتدير شؤون الناس الخدميّة وتطبق الشريعة من منظور الجماعة المسيطرة في المنطقة، ونجد أمثلة كثيرةً لتطبيق هذه المقاربة بدءًا من سيطرة حركة طالبان على أفغانستان وإنشائها حكومة الإمارة الإسلاميّة، مرورًا بتنظيم القاعدة في العراق بين أعوام 2006 و 2008 واليمن في مدينة المكلا ثم تنظيم الدولة الإسلاميّة إثر سيطرته على الموصل وإعلان ما سمّاه بـ الخلافة عام 2014 ولا تخرج هيئة تحرير الشام في سوريّة عن هذه المقاربة في اعتمادها إدارة المناطق المحررة التي تسيطر عليها عبر ذراعٍ مدنيٍّ يعرف باسم “حكومة الإنقاذ”.

تعاني هذه النماذج –موضوعيًّا- من معضلتي افتقاد الخبرات والكوادر المجهّزة والكفاءات اللازمة لإدارة المناطق التي تقبع تحت سيطرتها، إضافة إلى تصلُّبها الأيديولوجي في تقديم “تحكيم الشريعة” –ضمن منظورات خاصة- على بناء الخدمات والدورة الاقتصاديّة، واعتمادها في إدارة المنطقة على مبدأ “الولاء” و”التزكية” لا الكفاءة والخبرة، وذلك بالتوازي مع معضلات خارجيّة كالاضطراب المستمر وعدم الاستقرار في مناطق سيطرة الجهاديين حيث إنها معرّضة بشكل دائم للقصف والهجمات الجوية والبرية. 

من هذا المنطلق يمكن الوقوف عند فكرة الإدارة المحليّة التي تدير مناطق إدلب، والتي جاءت عبر مبادرة الإدارة المدنيّة التي أطلقتها هيئة تحرير الشام.

يرتكز جوهر مقاربة “تحرير الشام” على تكليف الفعاليّات والأعيان الشعبيّة في مختلف المناطق بتشكيل “مجلس شورى” والذي يقوم بدوره باختيار أشخاصٍ –انتخابًا- لإدارة مؤسسة الحكومة التنفيذية تحت إدارة رئيس الوزراء ويرجع في شرعيته لاختيار مجلس الشورى، وذلك بهدف منح “المجاهدين” الوقت الكامل للرباط والعمل العسكريّ.

عانت إدارة حكومة الإنقاذ من ثلاث مشاكل بنيوية دفعت بها نحو الفشل المتتالي:

أوّلها: عدم قدرة حكومة الإنقاذ والمؤسسات التنفيذيّة التي تديرها على الانفكاك عن هيئة تحرير الشام وسلطتها وقراراتها؛ حيث تحكم هذه المؤسسات شبكات مرتبطة بالهيئة إما بالولاء أو المصالح أو الانتساب، ولذا فإنها لا تعدو أن تكون وجهًا مدنيًّا لهيئة تحرير الشام تفرض من خلاله الهيئة رؤاها وتحصّل مكاسب سلطويّة ومصالح مادّيّةً بالتشريعات التي تصدرها.

الثانية: عدم امتلاكها الكوادر الكافية ذات الخبرة والتجربة السابقة، مما حدا بمسؤوليها لتوظيف كثير من الموظفين في مواقع عديدة دون الالتفات لشرط الكفاءة، وذلك من خلال التركيز على الولاء لمقاربة الحكم التي تسوّقها الهيئة، إضافة إلى اعتماد أساليب أخرى في التوظيف والترفيع كالتزكية والصداقة والقرابة والرشوة.

الثالثة: اعتماد حكومة الإنقاذ في مواردها على فرض الضرائب على معظم السلع في المناطق المحررة ومنح جهات معيّنة عقودًا احتكاريّة لبعض أهم المواد الأساسيّة كالحبوب والسكر والمحروقات، بحيث يمنع الناس من الاتجار بهذه المواد إلا بعد شرائها من مصدرٍ واحدٍ تتفق معه الحكومة، وذلك بالتوازي مع غياب الخدمات المطلوبة والملقاة على عاتق حكومة الإنقاذ كتأمين الكهرباء ودعم أسعار السلع الأساسيّة كالخبز والمحروقات، إضافة إلى انتشار الفساد والرشاوى في مفاصلها، وفرضها رسومًا مختلفة باسم الزكاة وتقصيرها في تطوير الدورة الاقتصادية وتنمية البنية التحتيّة والزراعيّة والتجارية في المناطق التي تسيطر عليها، مما جعلها في موقع الانتقاد والمطالبة بإنهاء وجودها الذي أزّم الحياة اليوميّة دون تحسينها على نحو مستمر.

يعود الفشل في جوهره الأساس إلى الإرادة التي تحكم بها  هيئة تحرير الشام الساحة، حيث إنها لا تقبل بوجود إدارة عسكريّة أو مدنيّة منافسة لها في مناطق وجودها، ولا يغيب عن الذهن سلسلة المعارك المركزيّة في تاريخ الهيئة، حيث إنها مرتبطةٌ –في أغلبها- بقصد إلغاء المنافسين المحلّيين، سواء كانوا محسوبين على  الجيش الحرّ  حركة حزم وجبهة ثوار سوريّة مثلاً أو  الفصائل الإسلاميّة والتي كان آخرها حركة أحرار الشام الإسلاميّة، مما يثير استفهامات عديدة حول مستقبل محافظة  إدلب التي تديرها حكومة الإنقاذ التي تتخبط في قراراتها وتصرفاتها في ظلّ هيمنة هيئة تحرير الشام عليها.

مركز جسور للدراسات

عن admin

"أقرأ وسترى الحقيقة"